بين شوقها ووجه زوجها لغم وموت بطيء

بقلم: بشرى الحميدي

ينتهي حُلمُ فتاة متزوجة خلال لحظةٍ واحدةٍ كانت فيها تريدُ أن تذهب في زيارة لتطمئنَّ على شريك حياتها، ولم تدرِ ما في ذلك من ذنبٍ، ولم يعد للتساؤل معنى، ولا الجواب ينفع الآن؛ فقد صعدت روحها إلى السماء.

هي رباب قائد تبلغ من العمر 25 عاماً، من أهالي قرية السعيدية في مديرية الخوخة التابعة لمحافظة الحديدة، زوجة المعتقل والناشط المجتمعي ناجي محمد سليمان مصاص منذ العام 2008.

في صباح الأربعاء الموافق 28من يونيو2017؛ اُختطف زوج رباب على أيدي رجال تابعين لجهاز الأمن السياسي الذي تديره جماعة الحوثي، أثناء ما كان يقوم بعمله في الإغاثة الإنسانية.

يقول ناجي: “في ذلك الصباح تلقيت اتصالا من أحد معاريفي، يخبرني أن رجل أعمال لديه 90 سلة غذائية سيتم توزيعها لنازحي المخأ، وعليّ أن أذهب من قرية السعيدية إلى مدينة حيس، وحين وصلت إلى المكان المحدد؛ اتصلت على هذا الشخص؛ فرد عليَّ أنه في السوق، وما إن فرغت من المكالمة؛ حتى توقفت بجانبي سيارة، وطلبوا مني الركوب، وحين ركبت؛ أخذوا هاتفي، وقالوا إنهم من الأمن السياسي مكلفون بالقبض علي، وذهبوا بي إلى الحديدة”.

قضى ناجي في معتقله في الحديدة، حوالي 50 يوماً، وتم بعدها نقله إلى معتقل في محافظة صنعاء، في حين زوجته تطرق كل الأبواب بحثا عنه، وخسرت في ذلك البحث الكثير من المال لمعرفة مصيره دون جدوى.

بعد حوالي 11 عشر شهرا في المعتقل؛ سُمح له بالاتصال بزوجته دون أن يُتاح له تحديد مكانه، لكن زوجته علمت أنه معتقل.

يضيف ناجي: “بعد شهرين من الاتصال السابق؛ سُمح لي بالتواصل والاطمئنان، ولمدة لا تتجاوز خمس دقائق فقط،  حينها سألتني رباب عن إمكانية الزيارة؛ فقلت لها إن ذلك أصبح مسموحا به، لكن، ولبعد المسافة ومشقة السفر؛ لم أطلب منك زيارتي”.

إلا أن زوجته رباب أصرت على زيارته، حتى وإن كانت المسافات طويلة فهي ستتحمل مشقة السفر، بغية زيارته والنظر في وجهه، فذلك واجب الوفاء.

أعدت رباب نفسها للسفر، وصنعت الكعك والحلويات، ثم غادرت بيتَهَا في قرية السعيدية مديرية الخوخة بِرفقَةِ ابن عمها زوج أختها محمد حنبلة، البالغ من العمر 30عاما، وابن أخيها معين محمد، وكان ذلكَ صباح 24يوليو 2018.

 كان السرور والفرح يحيط برباب من كل صوب، فهي ذاهبة للقاء شريك حياتها الغائب عنها منذ عام، تتخيل اللحظات التي ترمق عينها عين زوجها المعتقل، فلوعة الهجر والبعاد تشق صدرها، ولم تكن تعلم ما يخبئ لها، وما مصيرها المنتظر؟!.

 ما إن وضعت قدميها قاصدة الوصال؛ اتجهت رباب صوب مدينة “حيس”، على بعد سبعة كيلو متر من قريتها، وبعد خمسة كيلو متر من مدينة حيس، وفي جسر وادي ظمي، انقطع الأمل بالوصال الذي كانت تسعى له؛ فقد انفجر بهم لغم أرضي، كانت زرعته جماعة الحوثي التي مرت من هناك، وتوفي في الحال ابن عمها محمد علي، وأصيب معين محمد، فأخذه الحوثيون إلى مكان قريب منهم، أما رباب؛ فتعرف عليها أحد المارة أثناء عودته من حيس، وأبلغ الحوثيين أنه يعرف والدها، فتم التواصل مع والد رباب قائد محمد أحمد مصاص البشري، فلحق بها، لكن لم يسمح الحوثيون بإسعافها إلى مدينة حيس التي كانت قريبة من مكان الحادثة؛ أو إلى الخوخة، كونها مناطق تحت سيطرة الحكومة الشرعية.

تم السماح بإسعاف رباب إلى مدينة القاعدة في محافظة إب، ثم إلى محافظة صنعاء، كانت الطريق وعرة، والمسافة طويلة جدا, نزفت رباب خلالها كثيرا حتى وصلت إحدى مستشفيات صنعاء؛ لكنها، وبعد خمسة أيام من إصابتها ومصارعتها آلام الفراق والجراح؛ لفظت أنفاسها الأخيرة.

انتظر ناجي قدوم زوجته بشغف؛ لكن انتظاره لم يجدِ، ولم تكن إدارة السجن لتسمح له بالاتصال إلا حسب مزاجها وفي الوقت الذي تحدده هي.

مر شهر على وفاة رباب، وناجي لا يعلم، حتى سمحت إدارة السجن للمعتقلين لديها بالاتصال، اتصل ناجي رباب، إلا أن هاتفها كان مغلقا، فاتصل على هاتف والدها وكان مغلقاً هو الآخر.

يتابع ناجي: “تذكرت هاتف جاري، وهو من أخبرني بالتفاصيل، فأخذت منه رقم هاتف والدها وأمها؛ لأن الرقم السابق سلبه إياه الحوثيون، واتصلت عليهما لتقديم التعازي ومشاركتهما الحزن”.

استمر احتجاز ناجي في المعتقل إلى العام حتى خرج في 16 أكتوبر 2020 ضمن عملية تبادل بين الحكومة الشرعية والحوثيين برعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

خرج ناجي ولم يتبقَ له من رباب سوى بضع كلمات كانت قد تركتها له مع أخيها قبل وفاتها بلحظات: “إذا لي حظ في زيارتك لناجي؛ قبله قبلتين على خده، وأخبره أن يتزوج، وأن يرسم لنفسه أجمل لحظات العمر، فالغد ما زال يحمل له الكثير”.

وكأنها تخاطب ناجي قالت: “أنت لست في مرحلة سقوط؛ بل في مرحلة بداية الحياة كلها تنتظرك فيها، والابتلاء يصنع العظماء مثلك”.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.